سيد محمد طنطاوي
175
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بعيسى ابن مريم ناهجا نهجهم في الخضوع والطاعة والإخلاص للَّه رب العالمين ومصدقا للتوراة التي تقدمته ، ومنفذا لأحكامها إلا ما جاء نسخه في الإنجيل منها . وفي التعبير بقوله * ( وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ ) * إشارة إلى أن عيسى - عليه السلام - لم يكن بدعة من الرسل ، وإنما هو واحد منهم ، جاء على آثار من سبقوه ، سالكا مسلكهم في الدعوة إلى عبادة اللَّه وحده وإلى التحلي بمكارم الأخلاق . وفي التعبير بقوله * ( بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) * إيذان بأنه محدث كجميع المحدثات ، وأنه قد ولد من أمه كما يولد سائر البشر من أمهاتهم ، وأنه لا نسب له إلا من جهتها ، فليس له أب ، وليس ابنا للَّه - تعالى - ، وإنما هو عبد من عباد اللَّه أو جده بقدرته ، وأرسله - سبحانه - لدعوة الناس إلى توحيده وعبادته . وقوله : * ( مُصَدِّقاً ) * حال من عيسى - عليه السلام - : قال بعض العلماء : « ولو سايرنا الواقع عند النصارى في هذه الأيام ، لكان لذكر كلمة التصديق في هذا المقام معنى أعمق من مجرد التصديق بأصل النزول ، بل بالتنفيذ ، لأن الإنجيل ليس فيه أحكام عملية كثيرة ، فأحكام الأسرة كلها مأخوذة عند النصارى من التوراة ، وليس ثمة نص قاطع في الأناجيل التي بين أيدينا يغاير ما جاء في التوراة من أحكام تتعلق بالأسرة ، ولا بأحكام العقوبات من حدود وقصاصر ولقد رويت عبارات عندهم منسوبة للمسيح - عليه السلام - تدل على العمل بأحكام التوراة ، مثل قوله - عليه السلام - » ما جئت لأنقض الناموس « أي التوراة . وكلمة * ( بَيْنَ يَدَيْه ) * تعبير قرآني ، للدلالة على أن التوراة كانت حاضرة قائمة وقت مجيء عيسى - عليه السلام - وعلما عنده ، وهو علم خال من التحريف والتبديل ، أوحى اللَّه به إليه . ولفظ بين يديه في دلالته على الأمر المهيأ القائم من الاستعارات الرائعة ، ومضمونها أن الأمر معلوم علما يقينا لعيسى بن مريم - عليه السلام - كعلم المحسوس يكون موضوعا بين يديه « 1 » . وقوله : * ( وآتَيْناه الإِنْجِيلَ فِيه هُدىً ونُورٌ ، ومُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه مِنَ التَّوْراةِ ، وهُدىً ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) * معطوف على * ( قَفَّيْنا ) * . وقد وصف اللَّه - تعالى - الإنجيل الذي أعطاه لعيسى بخمس صفات :
--> ( 1 ) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة مجلة لواء الإسلام العدد الثالث من السنة 21